1 دقيقة قراءة
وفر فلوسك، الذكاء الاصطناعي يغنيك عن المحامي!
في الآونة الأخيرة حدثت ضجة كبيرة في التواصل الاجتماعي وأيضًا بين الناس حول عبارة: "وفر فلوسك، الذكاء الاصطناعي يغنيك عن المحامي!".
فهناك فريق يرى أن الذكاء الاصطناعي فعلًا يجعلك تستغني عن المحامي، في حين يرى فريقٌ آخر من الزملاء الكرام أن الذكاء الاصطناعي لا يمكنه القيام بعمل المحامي، ولا يمكن الاستغناء عنه. أما أنا فأرجح رأيًا ثالثًا: الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة في غالبية المهن والتخصصات، لكنه ليس أداة يُعتمد عليها اعتمادًا كليًا مع افتراض أن مجرد توجيهها سيجعلها تقوم بالعمل كاملًا “على أكمل وجه”. هذا التصور قد يوقع صاحبه في حرج ويجعله في مأزق؛ لأن الخطأ هنا لا يكون مجرد “نقاش”، بل يترتب عليه التزام وآثار ونتائج.
دور المحامي ليس عند النزاع فقط بل قبل أي قرار يُلزِمك
لا يمكن للفرد ولا للشخصية الاعتبارية الاستغناء عن دور المحامي والمستشار القانوني؛ لأن دورهما لا يقتصر على مرحلة نشوء النزاع.
بل إن من أراد أن يكون في دائرة الأمان (وهذا ما أنصح به الناس) فليستعن بالمحاميين والمستشارين القانونيين قبل اتخاذ أي قرار يترتب عليه التزام لاحق. فالمحامي ينير لك الطريق، ويحصنك من تبعات قد تكلفك الكثير من الوقت والمال والجهد. وقد تمنع الاستشارة القانونية خسارة أكبر بكثير؛ إذ قد تحول دون خسارة مشروع مكلف بسبب خطوة غير محسوبة أو صياغة غير منضبطة.
العقود: مثال على “تفاصيل بسيطة” لكنها خطيرة جدًا
من المسائل التي يجهلها كثير من الناس (وهي من أدق ما نواجهه نحن المحامين والمستشارين) مسألة العقود.
وهناك مبدأ مهم: "العقد شريعة المتعاقدين"؛ أي أن كل شرط لازم للمتعاقدين، إلا الشروط التي تُحلل محرمًا أو تُحرم حلالًا فهي باطلة.
والعقد في جوهره التزامات؛ لذلك يجب ضبط بنوده بدقة وتوضيحها على نحوٍ مفصل يحفظ حقوق المتعاقدين. ومن البنود الجوهرية (بعد اكتمال أركان العقد ) بند الفسخ؛ إذ يورده كثيرون بصياغة عامة ويظنون أنهم بذلك ضمنوا حقهم، بينما الواقع النظامي على خلاف ذلك تمامًا.
بند الفسخ… لماذا يُثبت أن النظام يطلب الدقة ولا يقبل العموميات؟
قد يرد في العقد نصٌّ مفاده: “يُفسخ العقد إذا أخل أحد أطراف العقد بالتزاماته”، ثم يظن صاحبه أن العلاقة تنتهي تلقائيًا بمجرد الإخلال. غير أن النظام يبين أن الفسخ ليس بهذه البساطة، وأن الصياغة المنضبطة هي التي تصنع الفارق.
المادة (107): الأصل أن الفسخ لا يقع إلا بحكم قضائي
نصّت المادة (107) من نظام المعاملات المدنية على:
"في العقود الملزمة للجانبين، إذا لم يوف أحد المتعاقدين بالتزامه، للمتعاقد الآخر بعد إعذاره المتعاقد المخل أن يطلب تنفيذ العقد أو فسخه، مع التعويض في الحالتين إن كان له مقتض، وللمحكمة أن ترفض طلب الفسخ إذا كان الجزء الذي لم يوف به المخل قليل الأهمية بالنسبة إلى الالتزام."
والنتيجة العملية لهذا النص أن الفسخ ليس مجرد “جملة” تُكتب في العقد ثم يقع تلقائيًا بمجرد الإخلال؛ بل إن الأصل أن المتضرر يطالب بالتنفيذ أو الفسخ بعد الإعذار، وفي حالات كثيرة لا يتحقق الفسخ إلا بحكم قضائي، ومع ذلك قد ترى المحكمة أن الإخلال غير جوهري فترفض الفسخ. وهنا تظهر المفارقة التي يقع فيها كثيرون: قد يظن المتضرر أنه أنهى العقد ببند عام، ثم يجد نفسه في دائرة التزام مستمرة إلى أن يصدر الحكم، خلافًا لتوقعه.
المادة (108): يمكن الاتفاق على الفسخ دون حكم قضائي لكن بشروط ونحو بيّن
وجاءت المادة (108) لتقرر استثناءً مهمًا، فنصت على:
"يجوز الاتفاق على أن يكون للدائن حق فسخ العقد عند إخلال المدين بالتزاماته دون الحاجة إلى حكم قضائي، ولا يُعفي هذا الاتفاق من الإعذار إلا إذا اتفق المتعاقدان صراحةً على الإعفاء منه."
ومعنى ذلك أن الفسخ ليس مجرد فكرة عامة؛ بل يحتاج اتفاقًا صريحًا واضحًا في صياغته، ومع بقاء الإعذار شرطًا أصيلًا ما لم يُستثنَ بنص صريح. وهنا تتضح الرسالة: القضية ليست أن الذكاء الاصطناعي يكتب لك بندًا مرتبًا، بل أن الصياغة الدقيقة هي التي ترتب الأثر النظامي، وتقطع طريق الغموض والشك، وتمنع النزاع قبل أن يبدأ.
هذا مثال بسيط… لكن خلفه عشرات التفاصيل التي لا تُدرك إلا بمختص
قد يبدو المثال السابق المتعلق ببند الفسخ “بسيطًا”، لكنه في حقيقته يوضح الفكرة كاملة وأن النظام يطلب الدقة، والعموميات قد تضر صاحبها ولا تحمي حقه.
ومن هنا يتضح أن الذكاء الاصطناعي لا يضمن سلامة موقفك القانوني، ولا يقرأ واقع الحالة، ولا يربط البند بآثاره، ولا يقدر المخاطر المترتبة عليه.
ولهذا، فإن من يستصغر دور المحامي والمستشار القانوني ويرى أنه يمكن الاستغناء عنه لتوفير مبلغ الخدمات القانونية، قد يأتي هو أو غيره بعد وقوع النزاع كما هو الحال عند بعض العملاء لدينا او لدى الزملاء المحامين الكرام ويقول: “ليتني سألت قبل …”، بعد أن يكتشف أنه ظلم نفسه أو أضاع حقه بسبب الانسياق خلف عبارة: "وفر فلوسك، الذكاء الاصطناعي يغنيك عن المحامي!".
قد تبدو مقنعة للبعض، لكن الفائدة الحقيقية من طرحها هي أنها تنبهك لقاعدة مهمة، القانون ليس معلومات تُستنسخ، بل التزام تُبنى عليه آثار. والرسالة هنا ليست مهاجمة الذكاء الاصطناعي، بل توضيح متى يكون الاعتماد عليه خطرًا، خصوصًا في العقود والالتزامات والقضايا. ومثال بند الفسخ يكشف قيمة الاستشارة القانونية عمليًا: فالمادة (107) من نظام المعاملات المدنية تبين أن الأصل أن الفسخ لا يقع إلا بحكم قضائي، بينما المادة (108) تتيح الاتفاق على الفسخ دون حكم قضائي إذا جاءت الصياغة واضحة الدلالة، مُحكَمة المعنى، بعيدة عن الشك والغموض، مع بقاء الإعذار لازمًا ما لم يُستثنَ بنص صريح.
محتويات المقال
TOC
سيتم إنشاء المحتويات تلقائيًا…
مشاركة
شارك المقال مع من يهمّه الأمر.